فضفضة

تيجى نبدّل؟!

2016-07-27 09:42:27 |
  • فريدة دياب
  • أطير فرحا وأنا عائدة من زيارة طبيبتى، بعد أن أكّدت لى أنى فى الشهر الثانى من الحمل.

    لا أعلم سر هذه الفرحة العارمة، وكأنى أتلقى خبر الحمل الأول، فأنا أم لثلاثة أولاد، حسن الذى يبلغ من العمر 18عامًا، ومصطفى 17 عامًا، وأمل 12 عامًا.

    وهم عيونى التى أرى بها أجمل ما فى الحياة، إلا أن إحساسا ما يراودنى أن هذا المولود سيكون له شأن خاص فى حياتى، بل إنه سيكون بإذن الله إكسير الحياة.

    بدأت حياتى وأنا طالبة فى الصف الأول من الجامعة، وقد وهبنى الله جاذبية وجمالا، جعلنى محلّ انتباه المحيطين بنا، وكان أبى شديد الطبع، وكأى أب شرقى، كان يرى أنه من الأفضل التعجيل بزواج البنت خصوصا إن كانت جميلة ولافتة للأنظار.

    وبمحرد أن تقدم لى، وافق أبى، خصوصا أنه كان من عائلة ميسورة ومقتدراً ماديا ويكبرنى بثمانى سنوات فقط، لم يشترط والدى أى شىء، إلا أن أكمل تعليمى، وبالفعل تمت الخطبة، وتزوجنا بعدها بستة أشهر فقط.

    لم تكن فترة الخطبة كافية للتعرف إلى طباع من تزوجت، فبدا لى أنه حاد، لكن لصغر سنى كنت أستمع لكل ما يقول وأنفذه.

    بعد الزواج مباشرة، حملت فى ابننا الأول حسن، وبعد عام حملت فى ابننا الثانى مصطفى، لكنى استمررت فى دراستى رغم ذلك، وإن تعثّرت قليلا بسبب مسؤولية البيت والولدين، إلى أن أكملت تعليمى الجامعى.

    كان زوجى يرى أن واجبى القيام بكل مهام البيت، ورغم يسر الحالة، كان يرفض الإتيان بمن تساعدنى فى أعمال المنزل، بحجة أنه لا يحب وجود شخصية غريبة فى البيت، فكنت أقوم بكل شىء، أطهو وأنظّف وأرعى الأولاد، خلاف مطالبه التى لا تنتهى.

    كما كان يجبرنى على نوعية معينة من الملابس فى الخروج، لا تتناسب وذوقى، ما يجعلنى أبدو كسيدة عجوز، وإذا ما خالفت أوامره، لم يكن يتوانى عن ضربى وإهانتى!

    تحمّلت كل ذلك من أجل أولادى، وأراد الله رغم حرصى على عدم الإنجاب مرة أخرى بعد الولدين، أن تأتى أمل، وكانت بالفعل كالزهرة التى تفتحت فى بستان حياتى، ورغم كل الظروف من قسوة الزوج والانشغال بتربية الأبناء ومهام البيت والزوج التى لا تنتهى، كنت أحاول أن أهتم بنفسى قدر الإمكان فى المنزل، كى أبقى جميلة فى عينيه، لكن يبدو أن إرضاءهم كان أمرًا مستحيلا!

    بعد مضى خمسة عشر عامًا على زواجنا، بدأت أحواله تتغيّر، وعرفت من أشخاص لا تربطنى بهم علاقة، أنه قد تزوّج عرفيا من سيدة أخرى، ونجحت بمساعدة بعض الأصدقاء فى أن أراها، فقد كنت شغوفًا أن أرى السيدة التى فضّلها علىَّ أو من وجد عندها ما لم يجده عندى.

    وكانت المفاجأة أنها على النقيض منى فى معظم الأشياء، ملابسها الفاضحة.. ووجهها المرسوم بكل أنواع مستحضرات التجميل بصورة فجة.. افتعالها الدلال وهى تتكلم بشكل مبالغ فيه، وجرأتها فى النظر للرجال بشكل تصعب مقاومته.. كانت من ذلك النوع من النساء اللاتى يعرفن كيف يرمين شباكهن.

    كان واضحا أيضًا أنها تطمع فى مال زوجى، فهى تعلم أنه متزوّج ولديه ثلاثة أبناء، لكن هذا لا يعنيها، فهى تعرف جيدًا ما تريد.

    واجهت زوجى بمعرفتى بفعلته، فلم ينكر، واعترف لى بزواجه منها، فطلبت منه أن يختار بيننا، فصار يبرّر ما حدث على أنه نزوة وانتهت، وأنه سيتركها، وبالفعل تركها، لكن سرعان ما عاد إليها مرة أخرى بعد شهرين، لكن للأسف بزواج رسمى هذه المرة وليس عرفيا.

    وفوجئت بصورة تصلنى لفرح زوجى الذى أقامه فى أحد الفنادق الكبرى، وأحياه كبار نجوم الغناء، صورة الأرجح أنها هى من أرسلتها مكايدة لى.

    انتابنى شعور غريب فى هذه اللحظة، رغبة فى الانتقام لم أعتدها فى نفسى، لقد أخذت منى حياتى وأنا سآخذ منها حياتها.. والأيام بيننا.. توعدتها فى نفسى وقررت أن أذيقها ما ذقته واحتملته من صبر وتفانٍ فى حياتى مع الرجل الذى اختطفته منى.

    تركت المنزل وأخذت أولادى وذهبت لبيت عائلتى، وطلبت منه الطلاق، وبالطبع رفض وقال إنه حقه، فعلت المستحيل ليطلقنى حتى اضطررت للاستدانة كى أحصل على الطلاق، وبالفعل حصلت عليه فى النهاية، لكنه بدأ يتعمد إذلالى بشتى الطرق، حتى وصل به الأمر لتحويل الأولاد من مدارسهم الخاصة لمدارس حكومية، وهنا ذهبت إليه وتوسلت له أن يبعد الأولاد عما يحدث بيننا، واستعنت بوساطة معظم أصدقائه وأقاربه حتى قبل أن يعيدهم مرة أخرى إلى مدارسهم.

    بعدها بدأت حياتى الجديدة دونه، ونظرت حولى وكأنى أرى الدنيا لأول مرة.. وكأنى كنت غارقة فى بحر واسع، وأخيرًا أخرجت رأسى، فبدت لى الدنيا جميلة فى كل شىء.. وكأنها تحتفل بى.. أخيرًا تخلصت من القهر بعد أن ظننت أننى لن أستطيع.

    من قال إن الوقت قد تأخر؟! الوقت يظل متاحًا دائما ما دمنا على قيد الحياة.

    غيّرت من نفسى، وبدأت أهتم بمظهرى وجمالى كامرأة.. وقررت أن أعتمد على ذاتى، فبدأت رحلة البحث عن عمل، ووفقنى الله ومساعدة المقربين فى الحصول على عمل كمندوبة مبيعات، ودارت عجلة الحياة من جديد لامرأة مستقلة تحقّق ذاتها، كنت حريصة على النجاح، وعلى أن أظل فى أفضل صورة شكلا وخلقا، كما ظللت حريصة على تنشئة أولادى على أفضل ما يكون.

    كان الله دائما معى، فوهبنى قبولًا وضميرًا فى العمل، إلى أن نجحت فيه، مع حرصى على الادخار قدر استطاعتى، كى أفتتح مشروعا صغيرا.. لم تكن كل الطرق ممهدة، فقد مرت علىَّ أيام صعبة كثيرة، ولم يكن طليقى سخيا معى أو مع أولاده، فكان يرسل لهم ما يكفى احتياجاتهم بالكاد، لكنى اجتهدت وبعت كل ما أملك من ميراثى من أبى، حتى تمكنت من أن أقف على قدمى فى النهاية.

    إلى أن فاجأنى القدر، وقابلت "محمد".

    جاء محمد فى طريقى فى وقت لم أكن أظن أنه ينبغى لى الثقة فى أى رجل، أو أفكر فى الارتباط مرة أخرى، لكنى شعرت بارتياح كبير له، ربما لأنه كان قريبا منى فى السن، فهو يكبرنى بعام واحد فقط، ولم يسبق له الزواج.

    أصبح محمد دائم التردد علىَّ، ويختلق الأعذار كى يرانى.. تكلمت معه فى كل أمور حياتى وأصبح اليوم الذى لا أراه فيه يوما حزينا، وجدت منه اهتماما واحتراما لم أره من قبل، إلى أن جاء يوم أصبح من المستحيل إنكار مشاعرنا أو تجاهلها، فطلب منى الزواج.

    كانت مشكلتى هى أولادى، لكنه سرعان ما حلّها، فقد التقى بهم، وأصبح دائم الحديث معهم، حتى أصبحوا يسألون عنه إذا ما تأخّر.. أما المشكلة الثانية فكانت والدهم، ورد فعله إذا تزوّجت، لكنى لم أكن أخشى أن يأخذهم، لأن أولادى لم يعودوا أطفالًا، وسيكون لهم حق الاختيار.

    لكن كان تخوّفى الأكبر أن يمارس ضغوطه المعتادة، ويمنع عنهم المصاريف وهم فى مراحل تعليمية باهظة التكلفة، فقررنا الزواج بمعرفة أهلى وأولادى فقط، دون إعلان الآخرين. وتفهّم أولادى أسباب ذلك، فكانوا حريصين جدًا على عدم معرفة والدهم.

    السعادة أقل ما يمكن أن توصف به حياتى مع محمد منذ اليوم الأول!

    فقد أدرك حقيقة ما عانيته من عدم شعورى بالأمان، فأراد لى أن أكون مطمئنة، فكتب شقة الزوجية باسمى.. كانت ما تزال هناك علامات تركها الزمن على وجهى من تكرار طليقى ضربى، فأخذنى إلى دكتور تجميل لمعالجتها، وكأنه أراد أن يمحو آثار هذه التجربة المؤلمة حتى من على وجهى، وكان حريصا أيضًا على مساعدتى فى عملى.

    كان يعلم جيدًا ما يجول بنفسى، وما تركته تجربتى السابقة داخلى، ويحاول دائمًا أن يستوعبنى، فأنا لا أبادر بالسؤال عليه، فقد أصبحت لا أحب أن أشعر بالضغط علىَّ من أى اتجاه، فرغم قوتى الظاهرة فأنا ما زلت هشّة من الداخل.

    لا يمر يوم إلا ويسألنى عن احتياجاتى دون أن أطلب، فصارت السعادة تبدو واضحة علىَّ، فازداد وجهى نضارة وعاد شبابى، وكأن محمد جاء ليعوضنى عما تعرضت له، دونما ذنب من ظلم وبطش، وما واجهت به قدرى من صبر ورضا.

    لن أنسى يومًا ذهب فيه أولادى لزيارة والدهم، وعادت ابنتى بصورة لها مع زوجة والدها، فوجدت صورة ماضىّ فيها.. فهى الآن تلبس نفس الملابس التى كان يفرضها علىَّ، ضحكت ساخرة وتساءلت: أين مستحضرات التجميل التى كانت تغطى وجهها؟! أين النظرة الصارخة التى استطاعت بها أن تسلبنى حياتى؟!

    إنه انتقام الزمن، فها هى تعيش الماضى الذى عشته، لقد سلبت حياتى وأنا سلبت منها دون أن أدرى حياتها.. هى تعيش ما عشتُه من معاناة، وأنا أعيش ما ظنت أنها تأخذه منى من سعادة وهناء.

    مع الوقت، شعرت برغبة شديدة فى أن أنجب طفلا من محمد، رغم أنه لم يطلب ذلك، فالمرأة حينما تحبّ وتهنأ مع زوجها، تريد أن ترى ثمرة هذا الحب، تلك كانت مشاعرى، أردت أن يكون هذا الطفل شاهدا على حبى لمحمد ورضائى بما حققه لى من سعادة.. لكنى ظللت مترددة خوفًا من معرفة والدهم أنى تزوجت، والمشاكل المادية التى قد يحاول افتعالها فى حياة أولادى، لكن يقينى أن الله الذى لم يتركنى أبدًا طوال محنتى وعوّضنى خيراً عن كل ما عانيته لن يتركنى أبدًا.

    وها أنا أنتظر مولودنا بعد سبعة أشهر، ثمرة حبى من رجل أهدانى الأمان، فأهديته عمرى، بوجدانى وكل جوارحى، واليوم بطفل منه أحمله بمنتهى الحب فى أعماقى.. هكذا هى المرأة حين تشعر بالأمان، وحينما يحسن الرجل معاشرتها، وهكذا يكون حبها.

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب"

    فريدة دياب فضفضة
    للأعلى