فضفضة

فيها حاجة حلوة

2016-05-11 09:36:09 |
  • فريدة دياب
  • عاد زوجى من العمل، مرتسمة على وجهه ابتسامة رضا، لم أعتد أن أراها، فدائمًا ما يبدو مرهقًا ويريد أن يتناول العشاء ويذهب للفراش من إجهاد اليوم.

    سألته عن سبب الابتسامة فقصّ علىَّ ما حدث له وهو عائد إلى المنزل. فنحن لا نملك سيارة ودائمًا يذهب ويعود من عمله بالمترو، لكن أحيانًا يكون الوقت متأخرا فيركب تاكسى وهو عائد.. قادته الظروف أن يركب مع سائق فى الأربعينيات، جلس بجواره وكان الوقت متأخرًا.

    حكى لى أنهما فى الطريق لاحظا رجلاً يقف فى الطريق عاريًا تمامًا، طويل الشعر واللحية، يحمل عصاه ويبدو قذرًا لدرجة كبيرة، يهذى بكلام غير مفهوم، ويبدو أنه مختل عقلياً. لاحظ زوجى أن وجه السائق تغيّر وامتلأت عيناه بالدموع، وأخذ يستغفر بحزن، وطلب من زوجى أن يتوقف عدة دقائق فقط، ولم ينتظر إجاباته، بل توقف بالفعل وفتح باب السيارة وبدأ فى خلع القميص الذى يرتديه.

    السائق: ماينفعش نسيبه كده.

    زوجى: بس ده مجنون، ممكن يتهجم عليك، هو مش واعى.

    السائق: اللى يستر حد فى الدنيا بيقعد له فى الآخرة، سيبها على الله.

    وذهب السائق إلى الرجل بزجاجة ماء كانت معه، وحلوى، وأخذ يربت كتفه، وانشغل الرجل بالشراب والطعام، وقد فعل ذلك لأنه يخشى أن يضربه، لأنه فاقد الصواب، ووضع عليه القميص، ثم خلع البنطلون الذى يلبسه ليستر الرجل، لكنه كان أنحف من السائق، فطلب من زوجى أن يعطيه الحزام الذى يرتديه، وقام بتركيبه فى البنطلون حتى لا يسقط من الرجل، ثم استدار وفتح حقيبة السيارة، كان يحتفظ فيها بشبشب يلبسه فى أثناء الوضوء، ألبسه للرجل وربت على كتفه مرة أخرى وركب السيارة بجانب زوجى ليستكمل مشواره، وهو بملابسه الداخلية والحذاء والشراب!

    نظر زوجى إليه بإعجاب وحب، وأخذا يضحكان على مظهره داخل السيارة بلا ملابس، فاستأذن من زوجى أن يركب سيارة أخرى، لأنه يخشى أن يقف فى دورية من دوريات التفتيش وهو بهذا الشكل، لذا سيسلك طريقاً داخلياً، فوافق زوجى فورًا، بل وطلب منه أن يرافقه إلى منزله، لكنه قال له لا داعى فالوقت متأخر، ولن يشعر به أحد، وسيتصل بابنه لينزل له بملابس، وأعطاه زوجى رقم الموبايل ليستشهد به إذا حدث شىء.

    ونزل زوجى وركب "تاكسى" آخر وحضر إلى المنزل وبداخله شعور جميل تجاه هذا السائق النبيل، واتصل به ليتأكد أنه عاد إلى منزله بلا مشاكل فرد ضاحكًا "المشكلة دلوقتى فى مراتى، بتقولى كنت فين!!"

    يومها لم أنم، ووجدت نفسى أفكر فى أشياء كثيرة تحدث من حولنا ولا نشعر بها، فمثلًا فى صباح هذا اليوم، ذهبت إلى دكتور العيون لعمل كشف نظارة جديدة، ولاحظت أن العيادة مزدحمة وترتيبى فى الكشف رقم عشرة، ويوجد أكثر من 20 شخصاً! فليس هناك مريض بمفرده ولا حتى أنا، فقد جاءت أختى معى، فما السر؟ الزحمة من أهل المرضى وليس المرضى أنفسهم.

    رأيت هناك شاباً ومعه صديقه.. وابناً مع أمه، وسيدة تذهب مع أمها.. رأيت سيدة مسنة ومعها جارة مسنة مثلها. كبرنا ووجدنا أهلنا يقولون "ازّاى تروحى للدكتور لوحدك؟ ليه؟ ملكيش حد؟" عندما أقارن هذا بالخارج، وقد رأيتها بعينى، المريض يذهب بمفرده حتى لو كان مصاباً بمرض عضال، والطفل يذهب مع أبيه أو أمه فقط، عندما قارنت، شعرت بالدفء والحنان، لأننا نعتبر هذا نوعًا من المشاركة الوجدانية، وواجباً علينا.

    بدأت الذكريات تنساب من عقلى، فأتذكر عندما ذهبت خالتى لإزالة كيس دهنى من ظهرها مذ شهر، وهى عملية ليست كبيرة، واتصلت بنا جميعًا، ليس للعلم لكن للذهاب والوقوف بجوار أولادها، وكان من المفترض أن أذهب فى العاشرة صباحًا، لكنى ذهبت قرابة الواحدة ظهرًا، فاستقبلتنى أمى بنظرة غاضبة، فاعتذرت عن التأخير، ووجدت كل أسرتنا هناك، ورأيت ابتسامة خالتى وهى ترانا جميعًا من حولها.

    ربما يكون خطأ، ولكننا تربينا ونشأنا على هذا، وفى داخلنا أننا نساند المريض ونجعله يشعر أننا جميعا حوله، ونؤازره وقت مرضه.

    ثم تذكرت يوم وفاة والدى وأنا وأخى طلاب فى الجامعة، وكيف امتلأ البيت علينا بمجرد أن أشيع خبر وفاته، أصدقائى كانوا معى ومع أمى يرتّبون المنزل ويواسوننا، أما أصدقاء أخى فكانوا معه خطوة بخطوة ومع الأهل فى إنهاء الإجراءات، والكل يخرج كل ما لديه من مال وبطيب خاطر.. ولن أنسى طول حياتى لحظة تشييع الجثمان، وهم يتسابقون لحمل نعش أبى فوق أكتافهم بالتناوب، وفى العزاء كانوا كأنهم من الأسرة، يتلقّون العزاء وينظّمون الجلوس.. الجيران لم يجعلونا ندخل مطبخنا لنطهو مدة أسبوع كامل، فقد قسَّموا الأمر على أنفسهم الأيام، ولا عجب، فأمى اعتادت أن تفعل المثل.

    تذكرت يوم ذهبت لشراء احتياجات فى الصباح الباكر، وكانت بعض المحلات تفتح أبوابها، ورأيت رجلاً يدخل ليبخّر المحل وصاحب المحل يتركه ويعطى له ولو مبلغاً صغيراً ويعتبره بركة اليوم، أما رمضان فشىء آخر، فما زلنا لا نحب أن نفطر منفردين، ونجتمع فى بيوتنا حتى نستمتع بوجودنا معًا، ويوم شم النسيم، وتصميمنا على أكلات قد نشعر بالتعب بعدها، لكن "اتعودنا على كده".

    مواقف كثيرة أراها بعينى كلها تعود إلى ذاكرتى، وكلما تذكرت شيئاً أسمع دقات قلبى، عندما رأيت طفلاً يمسك فى يده آيس كريم، وجاء جواره طفل ينظر، وأعطاه ما بيده بابتسامة بريئة جميلة وأمه بجواره تربت على كتفه بسعادة بالغة، ورأيت هذا الموقف كثيرًا وتمنيت لو كان معى طفل لأعلّمه أن يفعل مثلهم.

    تذكرت أيضًا عندما كنت أستعد للزواج، ويوم الحنّة ولمّة الأصدقاء والأقارب، وكيف كانوا يرقصون ويهللون، فقد امتلأ البيت عن آخره، حتى التى لم تتزوج منهن، جاءت وكانت تشاركنا فى كل شىء، ومنهم من قضى الليلة معنا كى يساعدونى أنا أمى، أما الفرح فليس فرحاً إلا بهم، وبمزاحهم، وضوضائهم، فوجودهم جوارى كان يمنحنى الثقة فى كل شىء.

    أغمضت عينى واستيقظت فى الصباح وكلى طاقة إيجابية، سعيدة بكل شىء حولى، وشعرت أنى أحب حياتى بكل ما فيها، وأريدها كما هى، فقد أتعرض لمواقف تجعلنى أتذمر أو أشعر بالضيق، لكن لن أجد الدفء والرحمة التى أجدهما فى حياتى، فى أى مكان آخر، إلا فى وطنى هذا، وبين أهلى وأصدقائى.. دفء اعتدناه.. ينبع من أعماقنا، ويعكس ما ألفناه من تقاليد الحب والمودة والتسامح بيننا.

    صممت أن يتصل زوجى بسائق التاكسى، ويدعوه هو وأسرته، وكان لى شرف لقائه، فهو بسيط فى كل شىء، وترى فى عينيه إيماناً وصدقاً ورضا، يجعلك تحب الحياة.

    لذا، رغم ضيق الحياة وازدحامها ومشكلاتها، تبقى دائماً فى عينى، فيها حاجة حلوة..

    والله فيها حاجة حلوة..

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب"

    فريدة دياب فضفضة
    للأعلى