فضفضة

ما زلت عذراء

2016-04-13 09:40:32 |
  • فريدة دياب
  • أن تنجب أطفالاً أمر ليس بصعب إذا ما أراد الله سبحانه وتعالى، لكن أن تجعلهم يحبون الحياة أو أن يكونوا أسوياء فذلك أمر آخر يتطلب جهداً وفكراً، وحينما يتحقق يعد مقياساً لمدى نجاح الأبوين فى أداء رسالتهما.

    وهو أيضاً أمر غاية فى الأهمية لأن أسلوب حياتك وتنشئتك لهم يظل محفوراً فى وجدانهم وذاتهم مدى الحياة، كما تظل ذكريات الطفولة تؤثر عليهم فى عقلهم الباطن دون أن ندرى، وأحياناً تكون مرآة نرى فيها تكراراً لما حدث فى الماضى.

    تربيت فى أسرة الأب والأم فيها أساس حياتهما هو العمل، فهما يضعان لعملهما الأولوية فوق كل اعتبار ويعتبرانه شرفاً، لكن إلى أى مدى.. فهما يعملان من أول نور للصباح ولا يعودان إلا ونحن نيام لكى نذهب إلى مدارسنا فى الصباح.. لذا أصبح الاعتماد الكلى فى رعايتنا على من يعملون فى المنزل، فهناك من يطهو الطعام، وهناك من يخدمنا، ونذهب إلى المدرسة بأتوبيس المدرسة، وإذا كان لدينا موعد لدروس خصوصية بعد ذلك فهناك سائق خاص يقوم بالمهمة.

    كانت كلمتهما التى نسمعها دائماً أننا نفعل ذلك من أجلكم، لكى تتعلموا فى أفضل المدارس وأن ترتدوا أغلى الملابس، ولنستطيع أن نوفر لكم مستقبلاً لائقاً.

    كنا نخرج أسبوعياً مع أبى وأمى لتناول الغذاء خارج المنزل وأحياناً ما كان إرهاقهما من العمل أو ارتباطهما بأصدقائهما يمنعهما من قضاء إجازة نهاية الأسبوع معنا.

    لا أذكر أنى يوماً وجدت لدى أمى الوقت لكى تتحدث معى، فضلاً عن أنها كانت حادة الطباع وتريد أن يسير كل شىء كما رسمته هى وكأننا عرائس متحركة يمكنها تحريكنا بالخيوط، فكنت لا أبوح لها بمكنون نفسى، وإذا تكلمت معها أتكلم بما يروق لها لكى آمن من عقابها.

    وبعد انتهائى من التعليم الابتدائى والتحاقى بالمدرسة الإعدادية تعرضت لأبشع تجربة يمكن أن تمر بها فتاة لم تر الحياة ولم تفهمها كأى بنت لا تزال ترى الدنيا بمنظار وردى.. كنت لا أزال أتابع أفلام الكرتون وأجرى وراء أصدقائى فى المدرسة، ببساطة كنت لا أزال طفلة بريئة بمعنى الكلمة، لكن جسدى كان يعطى أكبر من سنى، مما جعل أصحاب العقول المريضة يروننى بعيون مختلفة ونظرات تتحكم فيها رغباتهم.

    وذات يوم ذهبت إلى الدرس وعند عودتى طلب منى السائق أن نذهب إلى مكان قريب ليشترى بعض الأشياء لمنزله قبل أن نذهب إلى البيت، وكنت أرتاح إليه لأنه كان شاباً فى العشرينيات ودائم الحديث معنا أنا وأخى نثق فيه فلم أمانع.. لكننى فوجئت به يأخذنى إلى منطقة مهجورة ويتوقف فجأة بالسيارة فى شارع مظلم وإذا به يفتح الباب الخلفى، حيث كنت أجلس ويدفعنى بعنف لكى أستلقى على ظهرى ويخلع عنى ملابسى بعنف وهمجية.. ولا أريد أن أتذكر بقية ما حدث.. لكنه فعل ما فعل ثم عاد إلى مقعد السائق وبدأ يصرخ فىَّ ويهددنى أنه إذا فتحت فمى بكلمة واحدة فسوف يقتلنى.

    ظللت فى حالة انهيار وبكاء مستمر إلى أن وصلنا إلى المنزل، كنت فى صدمة شديدة وشعور بأننى قد تم اغتيالى نفسياً ومعنوياً، وليس مجرد اعتداء جسدى وتخلصت من ملابسى، ظللت أتألم وأئن فى صمت فأنا لم أكن معتادة على الحديث مع أمى، بل كنت أخاف منها.

    احتفظت بسرى وأخفيت عن الناس أجمعين ما تعرضت له، لكنى تغيرت وأصبحت أخاف من كل من حولى وأستغرق لساعات فى حالة من الصمت والشرود فلم تعد لدىَّ رغبة فى أن أتحدث مع أى شخص.

    بعد فترة قصيرة جداً من هذا الحادث ترك السائق العمل عندنا وقد سعدت جداً برحيله لأنى كنت أموت كلما نظرت إليه.

    رحل وترك أثر هذا الحادث الأليم فى نفسى وفى شخصيتى وأسلوب تعاملى مع الناس، فصرت أكره الكلام مع الجنس الآخر ولا أحب الاختلاط، وكلما كبر سنى ونصج عقلى وزاد فهمى للأمور ازداد حزنى وانكسارى لأنى أدركت أن ما حدث لى هو أمر جلل قد يقضى على حياتى المستقبلية.. كنت أعلم أنه سيأتى يوم وينكشف سرى، وقد أضطر إلى أن أبوح بما حدث لى.. كنت أتساءل فى أعماقى.. ماذا سأقول وقتها ومن سيصدقنى؟

    لماذا لم أتكلم وقتها؟ أسئلة حائرة وقلب يرتجف وعقل رافض أن يعترف وكره دفين للحياة بمن عليها فأى ذنب اقترفت حتى يحدث لى كل ذلك.

    ظللت فى حالة صمت لا ينقطع وأحياناً ما كانت أمى تسألنى عن السبب إنى دائماً شاردة.. فكانت تراودنى رغبة فى أن أبوح لها بما حدث لى ثم أتردد وأتراجع، كان من الصعب على أن أحكى ما تعرضت له لبشاعته، ولشعورى بالمهانة والعار الذى لحق بى دون أى ذنب. ظللت بهذا الجرح الغائر فى أعماقى، وبدأت أشعر بأننى ضحية لإهمال والدىَّ اللذين اهتما بعملهما ولم يفكرا فيما يمكن أن أتعرض له ممن ظنا أنهما يمكن أن يأتمناه على رعايتنا.

    التحقت بالجامعة وأنا أكاد أنظر خلفى وأنا أسير ولا أريد أن يكون لى كثير من الأصدقاء، فعندما يكون بداخلك إحساس بالضعف والهوان والخوف من المجهول، وبأعماقك سر كامن لا تستطيع أن تبوح به حتى لأقرب الناس، تصبح فاقد الثقة ليس فقط فى ذاتك بل فى كل من حولك.

    ولذلك ظلت علاقاتى محدودة جداً إلى أن حدث ما لم أكن أتوقعه، فقد لاحظت اهتمام أحد أقاربنا وكان زميلى فى الجامعة، لكنه يسبقنى بعامين.. وكلما حاولت الابتعاد وتجنب الاقتراب منه أجده يصر على محاولة التقرب إلىَّ، وكلما أهملته زاد اهتماماً، إلى أن اختلق الأسباب لزيارتنا فى المنزل ليجد الفرصة التى تتيح له أن يرانى فيها، وكان دائم القول أمام أسرتى: "منى جادة جداً فى معاملتها مع كل الناس" وهذا يجعلنى مختلفة عن كل من حولى، وهو نفسه كان يميل للجدية فى التعامل فربما وجدنى توأم الروح.. لا أنكر أنى انجذبت إليه وربما أكون قد أحببته، لكن هل هذا من حقى؟ هكذا كان يفكر عقلى!!

    فكان التطور الطبيعى لإنسان جاد فى حبه أن يتقدم ليطلب يدى من أسرتى وهذا ما حدث وسعدوا جميعاً لأنهم كانوا يرون فيه الإنسان المناسب لى فى كل شىء فضلاً عن قرابته لنا، وبكيت يومها على كل السنين التى مضت فأنا أريده ولا أريده.. أتمنى أن يكون لى حبيباً لكنى أشعر بعدم رغبتى فى الاقتراب من أى رجل.. كانت لدى مخاوفى من تلك اللحظة التى سيكتشفون فيها ما حدث لى.

    تعجبت أمى لبكائى ورفضى لأنها كانت تشعر أن لدىَّ إحساساً تجاهه وكل كلامنا عنه إيجابى وتطور الموقف بينى وبين أمى إلى أن جاء البوم الذى ظللت أهرب منه لسنوات.. يوم أن واجهتها بما حدث لى.. انهارت أمى وبكت وكانت تتلفت حولها تخشى أن تكون الجدران قد سمعت قصتى، وانهالت أمى فى إلقاء اللوم علىَّ وهى فى حالة ذهول.. كيف استطعت أن أخفى عنها ما تعرضت له طوال هذا الوقت وبدأت تلقى بلومها علىَّ وتصفنى بأننى مثل أبى كالبئر الذى لا يستطيع أحد أن يعرف قراره وأخذت تهذى.

    الأم: أنا ضيعت عمرى علشانكم وأخليكم فى أحسن مستوى علشان فى الآخر ناس معندهاش ضمير تـ.. لم تكمل لأنى قاطعتها ولأول مرة أكلم أمى بهذه الطريقة..

    أنا: قلة الضمير مش فى الناس بس يا ماما قلة الضمير اتقسمت بينكم وبينه، إنكم تسيبونا مع سواق علشان تعملوا فلوس ومانتوش ضامنين يعمل إيه ده حرام!! إنكم تشتغلوا ليل نهار وتسيبونا، ده اللى جرى لى والله أعلم أخويا مخبى إيه.. إحنا دلوقتى كبرنا وفهمنا ونقدر ندافع عن نفسنا، لكن زمان وإحنا عيال!! عملتى فيه كدا ليه؟ الفلوس مخلتنيش سعيدة وتعرضت لموقف مقدرتش أدافع فيه عن نفسى ودلوقتى مش قادرة أتجوز حتى نفسيا مش قادرة.. مش عايزة!!

    الأم: أبوكى لو عرف هيموت فيها، اسكتى خالص لحد ما أشوف هعمل إيه.

    لم تتحمل أمى كلامى.. ولم تطق ما واجهتها به.. فخرجت من غرفتى وهى فى حالة إعياء تام ولم تذهب لعملها بعد هذا الحوار لأسبوع كامل فقد ارتفع ضغطها وبدت فى حالة صحية ونفسية يرثى لها، فهى تفكر وتلوم نفسها وحزينة على ما أصاب ابنتها والأمر أنها لا تستطيع الكلام أو البوح بما فى داخلها، رأيتها تمر بنفس الحالة التى مررت بها وقتما حدث لى ما حدث، نفس الشعور بالوحدة المريبة، وهو إحساس وشعور قاس فعندما تكون تعانى وتتكلم مع عزيز لك ينقسم الحمل، لكن الصمت يزيد الألم.. أخذتنى أمى إلى طبيبة وكانت المفاجأة أن هذا الحادث لم يترك أثراً جسدياً يعيق زواجى فأنا ما زلت عذراء.. لكن ترك أثراً نفسياً فى عدم رغبتى فى أن يقترب منى أى رجل، وأوصت الطبيبة والدتى بضرورة علاجى نفسياً حتى أشفى مما حدث.

    اتخذت أمى القرار السليم برفض طلب الزواج بحجة أنى ما زلت أكمل تعليمى حتى وإن كنت أريده وبدأنا رحلة العلاج النفسى حتى أعود إنسانة سوية أستطيع أن أواجه الحياة وأكون أماً قادرة أن تربى أطفالاً أسوياء.. قرار أمى خلق بداخلى حالة من الإشباع والرضا، فلأول مرة أشعر بأنها تهتم بى وتضعنى موضع الأولوية فى اهتماماتها، لأول مرة أشعر بأنها تنظر إلىَّ كإنسان.

    لقد أصبحت لدىَّ قناعة بأننا إذا كنّا سنتزوج وننجب من أجل الشكل الاجتماعى فالأفضل ألا ننجب إلا ونحن قادرون ليس فقط على تربية أبنائنا، بل على حمايتهم أولاً، ليس معنى كلامى ألا نعمل، لكن نعمل ما يتناسب مع مسؤوليتنا الأولى والأهم تجاه أحباب الله.. النعمة التى يهبها لنا الله من عنده والأمانة التى يتحتم علينا أن نحافظ عليها.. هكذا.. وهكذا فقط نكون أباءً أو أمهات.

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب"

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى