فضفضة

مش عايزة عيد أم!!

2016-04-06 09:32:13 |
  • فريدة دياب
  • إذا تكلمت عن القلوب وجموحها وكيف تحب، فلا حب يضاهى حب الأم لأولادها.

    فهو حب من نوع خاص لا تستطيع أن تفهمه أو تتحكم فيه، فقد زرعه الله وجعله الأسمى فى الوجود.

    كأم، لا أريد من أبنائى بعد أن كبروا غير الاحترام والتقدير، وأن أرى الحب فى أعينهم، وبدون ذلك فالموت رحمة.

    أسترجع بدايات حياتى قبل أن أنجب أولادى.. فقد تزوجت أباهم عن حب، وبدأنا كفاحنا من اليوم الأول راضين بما قسمه الله لنا ماديا، فلم نكن نملك المال وإنما كنا نملك الأصل الطيب الذى نفتخر به، والشبع رغم القلة، والحب الذى هو أساس الحياة.. كنّا نتشارك ونقتسم كل شىء، فكنت أعمل لأساعده فى نفقات المعيشة وهذا أمر معتاد فى كل البدايات، ورزقنا الله بنتين وولداً.. أميرة وأمل وأحمد.

    كان زوجى وأولادى هم كل حياتى، فأنا أعتبرهم إكسير الحياة، وكان لدىَّ من التصميم أن أصل بهم لبر النجاة. كان هدفى واضحاً ومحدداً هو أن يعيشوا فى مستوى لائق شكلاً وموضوعاً، وأن أبذل من أجل ذلك كل ما أستطيع، حتى وإن جاء ذلك على حسابى أنا وأبوهم، فقد كان هو أيضاً على ذات القدر من التضحية ويعمل ليل نهار من أجلنا.

    كنت أرتب حياتى ووقت عملى وفق احتياجاتهم حتى لا أتركهم مع أحد، فأنا لا أئتمن أحداً عليهم غيرى.

    كان تعليمهم بالنسبة لى هاماً جداً، فهو ميراثهم من بعدنا، فكنت حريصة كل الحرص أن يكونوا من المتفوقين، وعانيت كثيراً من أجل هذا من وقتى وصحتى واهتمامى الشخصى بنفسى، فلم تكن هناك سعادة تضاهى سعادتى حين أجدهم من المتفوقين، ولكن هذا لم يكن يجد قبولاً كبيراً عند ابنتى الكبيرة "أميرة"، ولكنها كانت متفوقة، وأخواها أيضا كانا متفوقين، ولكن لم يكونا فى مستوى تفوقها وتميزها.

    كأسرة، كانت لدينا عاداتنا وتقاليدنا، ولم يكن يعنينا كيف يعيش الآخرون، أما والدهم فقد كانت له تقاليده فيما يتعلق بمواعيد خروجهم وعودتهم للمنزل، وكنت دائماً أنا التى أنفذ ما اتفقنا عليه.. أوصلهم إلى أماكن تلقى الدروس، وأنتظر حتى أعود بهم، وفى الإجازات يذهبون إلى النادى ليجلسوا مع أصدقائهم ثم نعود سوياً إلى المنزل.

    نسافر فى الصيف لقضاء عطلتنا فى أية مدينة ساحلية وزيارة الأهل كحال كل الأسر فى الوسط الذى نعيش فيه، إذا تكلمت عن ملابسهم فكانوا يلبسون ملابس جميلة وغالية، ولكن كان أهم شىء بالنسبة لوالدهم الاحترام، فلا يحب الملابس العارية أو المبتذلة ولكن لم يفرض عليهم حجاباً أو ما شابه، ولو وجد غير ذلك يرفض وبشدة ويعنفنى أنا قبلهم.. لم يكن هذا يروق تماماً لابنتى أميرة، فهى تعشق الحرية فى كل شىء ولا تحب القيود.

    "أميرة" حباها الله جمالاً ولكنها لم تكن قانعة بكل ما حولها، فهى تريد الكثير فى كل شىء، وتريد حياة مختلفة عن حياتنا، فهى ترى أننا نعيش فى سجن وتود الهروب منه.

    دخلت أميرة الجامعة وتخرجت وتمت خطبتها لمن أحبه قلبها وباختيارها المطلق، وقد كنت أعرف من أول يوم قصتها معه وكنت بجوارها، أقبل أشياء وأرفض أخرى كأى أم تخاف على أولادها، وعندما علم أبوها منى أنها تحب هذا الشخص ساعد معها بكل قوته لأنه وجده شخصاً مناسباً ومن عائلة محترمة.

    تزوجت "أميرة" وبدأ الطوفان الذى كنت أدرك جزءاً منه ولكننى لم أتوقع أن يكون بهذا العنف والدمار والقسوة، فمن أول يوم فى زواجها تفننت وأبدعت فى إيصال رسالة واحدة لنا كأسرتها "أنا حرة أعمل اللى أنا عايزاه وحياتكم كلها مش عجبانى"!! قد بلغتنا هذه الرسالة ليس بالتصرفات فقط، ولكن قولاً واحداً ووجهاً لوجه عندما علق أبوها على ملابس كانت ترتديها بأنه لم يعد لنا سلطان عليها وأنها أصبحت متزوجة وتفعل ما تريد!!

    ولكنها كانت عندما تتشاجر مع زوجها تأتى لتشعل بيتنا ناراً وتحكم علىَّ أن أقوم بالشجار معه وأمطره بوابل من الألفاظ، وبالطبع لا تعالج الأمور بهذا الأسلوب المتدنى، فقد نسيت أننا لا نتعامل مع أحد بهذا الأسلوب غير الآدمى.

    اختلقت المشاكل مع أهل زوجها وليس فقط مع أخويها الذين صارا يكرهان يوم زيارتها لنا ويفتعلان الحجج لكى لا يرياها.

    فى بداية زواجها وبعد إنجابها كانت تأتى لزيارتنا كل أسبوع، ثم أصبحت تأتى كل أسبوعين، ثم قامت بذبح القطة للجميع فقررت أن تأتى وقتما يتسع وقتها لنا، فأصبح يمر شهر، ومن الممكن شهران، دون أن نراها بحجة أنها مرهقة فى عملها، ويوم أن تأتى غالباً ما لا يمر اليوم بسلام إلا فى أيام تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، فلا يحلو لها الشجار مع زوجها إلا أمامى لكى ترينى قوتها وكيف أنها صارت حرة.

    أخطأت أنا يوم أن أنجبت طفلها الأول لأن سعادتى كانت بالغة، وكأى جدة للمرة الأولى ربما تتدخل فى شؤون حفيدها ولكن أميرة قالتها وبلا خجل "ملكيش دعوة انتى بابنى أنا حرة" فاعتذرت وابتعدت احتراماً لذاتى، فالبعد فى مثل هذه الظروف يصبح غنيمة، ومن جهة أخرى ربما يكون حقاً أن الأجداد يُتلفون أحفادهم بكثرة الدلع.

    حاولت أن أقنع نفسى بأنها لم تنضج ولم تفهم الحياة أملاً فى أن يأتى اليوم الذى تدرك فيه أميرة أن حفاظنا عليها قبل زواجها كان بدافع الحب ولم يحدث أن ضاق صدر أحد من أولادنا غيرها من أسلوب تربيتنا، بداخلى كنت أدرك أننا لسنا وحدنا من كنا نفعل ذلك مع أولادنا، فكل المحيطين بنا كانوا بنفس المنهج والأسلوب بل ويطبقونه بطرق مختلفة على أولادهم حتى بعد أن أصبحوا آباء وآمهات، وهل أمر الله أن تحاسبى أباك وأمك؟ أما أميرة فكانت تمثل حالة دائمة من الرفض والنقمة على كل شىء، وفى كل خلاف كانت تذكرنى أن أسلوب حياتنا لا يعجبها ولا تحبه، وأنها هى وزوجها أحرار، واعتدت أن أقابل ذلك بهدوء، فكان ردى عليها دائماً أننا لا نتدخل فى شؤونها حتى لو كانت لا تعجبنا، وكنت أتعجب حين يصل بها العناد أن تهددنا بأنها ستتطلق من زوجها!!

    بعد فترة تزوجت ابنتى الأخرى أمل وأنجبت، وبالرغم من بعد مسكنها عنا إلا أنها كانت تأتى لزيارتنا بشكل منتظم، ربما كانت تعلم فى أعماقها مدى بعد أختها عنا وعدم زيارتها لنا رغم قرب سكنها منا، وربما أيضا لإدراكها للأثر السيئ فى نفوسنا للأسلوب الذى تعاملنا به شقيقتها.. وقدر جفائها.

    ثم تزوج ابننا أحمد أيضاً من فترة قصيرة، ورغم أنه لا يزورنا كثيرا إلا أنه دائم الاتصال بِنَا، وإذا ما أتى لزيارتنا يبدى اعتذاره عن التأخير بكلمات رقيقة تجعلك ترضى حتى ولو كانت غير الواقع، ولكنها ترضينى كأم لأنه يحاول إرضائى فضلاً عن أننى أدرك صعوبة الحياة الآن وقدر انشغال الأبناء بعملهم وبحياتهم عامة.

    سارت بِنَا الحياة بحلوها ومرها إلى أن جاء آخر موقف تعرضت له مع أميرة ابنتى وكان يوم عيد الأم، فقد مر شهران قبل هذا اليوم دون أن أراها، ولكنى كنت أذهب لأرى أحفادى بين الحين والآخر ولكنى لم أكن أراها بسبب انشغالها فى العمل، وتوقعت منها أن تأتى لزيارتى فى يوم عيد الأم ولكنها أرسلت لى رسالة على "الواتس آب" تهنئنى بعيد الأم وتسألنى "تحبى أجبلك إيه؟" حزنت بحق لتصرفها هذا وأجبتها بأنى لا أريد شيئاً محدداً وأن أى شىء منها جميل ولو كان مجرد وردة، وانتظرت يوم عيد الأم، وانتظرت بعده أسبوعاً كاملاً أن تأتى ولكنها لم تأت، ولم تهتم حتى بأن ترسل ولو وردة واحدة.

    لا أنكر قدر إحباطى من موقفها هذا، ولكنى رغم كل شىء أحمد الله أنى بصحة جيدة وما زلت أعمل، أحمد الله أننى لا أحتاج مادياً.. على العكس فأنا من يعطى ولست بحاجة لأن يعطينى أحد.. أحمد الله أننى أنال احترام وتقدير كل من حولى وعائلتى وأصدقائى، وفوق كل هذا حفظ الله زوجى، أنا لا أنتظر شيئا من أميرة إلا أن تكون ابنتى، فالحقيقة التى لا يدركها الكثيرون أن لا أحد من أولادك يغنيك عن الآخر، فلكل منهم قطعة فى القلب تنادى عليه وتبكى شوقاً إليه وتتمنى له الحياة والسعادة.

    اليوم أكتب لكم لأطالب بإلغاء عيد الأم، ليس من أجل من تركت أمهاتهم الحياة، ولكن من أجل الأمهات الأحياء اللاتى يَرَين بأعينهن جحود أبنائهن فيبكين بحرقة، وكل دمعة من أعينهن كبيرة عند الله.. فالأموات قد تركوا الحياة بمن فيها، ولكن الأحياء يظلون يعانون.

    لا أزعم أننى أم مثالية أو مجردة من كل العيوب، ولكنى حاولت أن أكون أماً صالحة قدر ما استطعت فحافظت على أولادى، والأهم من ذلك أننى كنت ابنة بارة بأمى، ولم تكن أمى مجردة من العيوب، ولكن يكفى أنها كانت أمى كى أحبها!!

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب"

    فريدة دياب فضفضة
    للأعلى