فضفضة

سيبونى أتكلم!!

2016-03-16 10:01:06 |
  • فريدة دياب
  • إحساس خاص أن تكون طفلاً متميزاً، متفوقاً، وشعور جميل كنت أعيشه فى طفولتى حينما تفتخر بى والدتى وأنا تلميذ فى المدرسة، فقد كنت طالباً متفوقاً يشهد له جميع المدرسين، ولم يكن تفوقاً دراسياً فقط، بل كان تميزاً أخلاقياً ورياضياً أيضا.

    كان دائماً ترتيبى الأول.. فقد ربَّتنى أمى على أداء واجبى والالتزام منذ صغرى وأداء الفروض فى أوقاتها واحترام الكبير، وكانت تنزعج من الصوت العالى، وهكذا كنت أنا وأختى، حتى فى حديثنا أو شجارنا، لا تكاد تسمع لنا صوتاً.

    وتخرجت من المدرسة إلى كلية من كليات القمة وكانت فى مجال الاتصالات وظللت متفوقاً فى دراستى، وكان يشهد لى أساتذتى بالذكاء ويتوقعون لى مستقبلاً باهراً، ولم تتغير يوماً سلوكياتى، فأنا بطبعى رجل ملتزم.

    أحببت فتاة كانت زميلتى فى الدراسة واستمر حبى لها حتى بعد التحاقى بالجامعة، لم تكن علاقتى بها مجرد علاقة سطحية عابرة، لكنى كنت أكن لها مشاعر حب حقيقى، واستمرت علاقتنا إلى أن تزوجنا مباشرة بعد التخرج من الجامعة.

    لكن ما إن تزوجنا حتى كشفت "دينا" وجهها الآخر الذى لم أكن أتخيَّله، فقد بدأت تعاملنى بأسلوب غريب، فظهرت لى طباعها التى لم تتضح لى وقت خطبتنا، فهى إنسانة مسيطرة لأقصى الحدود، سليطة اللسان لا تراعى مشاعر من أمامها أياً كان، لا تراعى وجودك وسط أصدقاء أو أهل فتحرجك وتقلل من شأنك، ولا مانع أن تحرج أهلى إذا ناقشوها فى أى مشكلة أو موقف.

    ورغم طباعها هذه كنت حريصاً على استمرار حياتنا فأنجبنا بنتين كانتا بالنسبة لى الدنيا ومن فيها، وكنت أتحمل من أجلهما مواقف كثيرة لأنى لم أكن أرغب فى أن أُشعرهما بوجود أى خلافات بينى وبين أمهما، كنت أريد لهما حياة أسرية طبيعية رغم صعوبة ذلك مع طباع أمهما القاسية المتقلبة، ورغم المواقف السخيفة التى كانت تحدث منها بين الحين والآخر، فذات يوم وأثناء تناولنا الغداء مع بعض الأصدقاء وقع بعض الطعام على ملابسى دون أن أقصد فإذا بها تنفتح فى حالة من السخرية منى والمزاح أمامهم وكأنى طفل صغير لا يعرف كيف يتناول الطعام بمفرده!

    مثل هذه السخافات كانت تتكرر دائماً فى حياتنا وإذا عبَّرتُ عن غضبى أو أخذت موقفاً وقلت لها إنى لا أقبل بمثل هذه السخافات تتحول لامرأة أخرى تستغل أنوثتها الصارخة وتساومنى حتى على علاقتنا الزوجية، وترفض أن أقترب منها حتى يبدو لها تراجعى عن غضبى وخنوعى لكل ما تريد.

    كانت هذه التصرفات كفيلة بأن تترك آثاراً متراكمة فى نفسى، فضلاً عن الشجار والخلاف الدائم فى الرأى، واعتراضها على كل ما تقوله أمى لتثبت دائماً أنها وحدها على صواب وأنها هى صاحبة القرار فى كل صغيرة وكبيرة فى حياتنا، مما ترتب عليه انقطاع أسرتى عنا ليسلموا من لسانها.

    رغم كل ذلك لم أيأس يوماً من المحاولة للحفاظ على حياتنا الأسرية، وحاولت مراراً وتكراراً أن أتكلم معها بالحسنى لكى تستمر حياتنا، لكنها كانت تنفجر فى وجهى وتتشاجر معى ويرتفع صوتها بشكل لم أعتده ولا أقبله منها أو حتى من غيرها، لقد اعتدت فى حياتى على العلاقات المتزنة والملتزمة القائمة على الاحترام المتبادل فى حياتى الخاصة وفى عملى، فلم أتنازل يوماً عن كرامتى مقابل فرصة عمل حتى إن كان مقابلها ملايين، لكننى أعترف بأننى كنت غالباً ما أضعف أمامها إذا ما اختزل فى علاقتنا كرجل وامرأة.

    وهكذا ظلت علاقتنا تتأرجح من خلاف إلى خلاف، وزاد من حدتها تأثير صديقتها المقربة التى كانت تعيش حياة تعيسة بعد انفصالها عن زوجها فكانت تشجعها على ما تفعله بل تزيدها بأفكار هدامة، فلم أصدق أذنى ذات يوم وأنا أسمعها تقول لها "صدقينى البقاء للأقوى"!!

    مع الوقت أدركت أننى أمام شخصية صعبة، وأننى إذا ما تركت نفسى لردود الفعل الطبيعية سأهدم هذا البيت، كان حبى لبنتىّ أحياناً كفيلاً بأن يجعلنى أتغاضى عن أشياء كثيرة وأتحمل أكثر، لكن الرجل بداخلى ظل فى صراع بين كرامته ورغباته، خصوصاً أنى اعتدت الاحترام المتبادل فى كل علاقاتى خارج منزلى ومن كل من يعملون معى أو تجمعنى بهم صداقة أو قرابة، لكن فى حالة زوجتى اختلف الأمر تماماً، فكلما تعاملت معها باحترام من جانبى كلما تكررت إساءاتها وازدادت رغبتها فى السيطرة وعنفها وأصبحت كالجبروت الذى يمشى على الأرض، وكأنها تستمتع بإذلالى أمامها.

    واستمرت الحياة بنفس الأسلوب إلى أن التحقت ابنتاى بالجامعة، وفى ظل ما أعانيه من وحدة وإحساس بالنقمة على حياتى مع زوجتى بدأت أنجذب لسيدة مطلقة التحقت بالعمل معى مؤخراً، كانت على النقيض من زوجتى فى كلامها العذب، وأسلوبها المهذب، وصوتها المنخفض، وأنوثتها الغالبة على كل مواقفها معى، وازداد انجذابى لها ليطول بيننا الحديث على الموبايل لساعات، وسرعان ما ازداد تقاربنا وأصبحنا نسترق الزمن لنجلس ونتكلم سوياً، فى الوقت الذى وجدت نفسى أتجنب الكلام مع زوجتى حتى وأنا فى المنزل، حتى شعرت زوجتى بتغير واضح فى ردود أفعالى تجاهها، فبدأت تحاول معرفة سر ذلك.

    وبالطبع قامت صديقتها المحرضة بدورها فى معاونتها على هذه المهمة، إلى أن تأكدت من وجود علاقة لى بهذه السيدة، فثارت وغضبت وبدأت تهدد أمى وتهددنى بأنها ستخبر ابنتىَّ وستهدم صورتى أمامهما، وعندما واجهتها أمام الجميع بأنها هى من دفعنى لذلك بأسلوبها المسيطر فى المعاملة تراجعت ووعدت أن تغير من أسلوبها وطباعها، ومن جانبى وعدتها بأن أنهى علاقتى بهذه السيدة، لكن لم يمر شهر واحد حتى عادت لما كانت عليه وكأنها خُلقت لتسيطر وتفرض إرادتها على الجميع.

    أعترف أنى تغيرت وانفجر البركان الكامن بداخلى ولم أعد قادرًا على إخماده، نعم لقد تغير سلوكى فأصبحت الكلمة الرقيقة تستهوينى، وأريد أن أجد نفسى محاطاً بمن يجاملنى ومن يمتدحنى فى كل شىء حتى ولو كذباً، أصبحت ضعيفاً أمام من تشعرنى بأننى رجل وأنها هى من تحتاج إلىَّ، صرت أبحث عمن تشعرنى بأنها أمى وأننى طفلها فتدللنى.. أصبحت بحاجة لامرأة تشعرنى برجولتى وأنها تابع لى.. من أشعر بضعفها أمامى لأنها تدرك أن ضعفها يزيدها قوة فى حياتى.. نعم صرت أريد امرأة تكون هى المرأة فى حياتى وأنا الرجل فى حياتها.. وشاءت الأقدار أن أجدها أخيراً!!

    وإن كانت هذه المرة لا تُقارن بزوجتى جمالاً ولا عائلةً ولا خلقاً، فيبدو أننى قد وقعت فريسة لامرأة لا تليق بى اجتماعياً أو أخلاقياً، لكنها تعرف كيف تعاملنى كرجل، فتسللت إلى أعماقى ووقعت فى غرامها.. هذه المرة لم أخف على زوجتى وأخبرتها بأنى على علاقة بامرأة أخرى!! وشرحت لها كل ظروفها وأنى قررت أن أتزوجها، لا أعرف لماذا فعلت ذلك؟

    ربما لأَنِّى أردت أن أريها ما صنعته يداها أو لأنِّى أردت إذلالها أو كسرها، كانت مذهولة وهى ترانى مقبلاً على الارتباط بامرأة بهذا الماضى المشين.. ففوجئت بها هذه المرة وقد تغير رد فعلها تماماً، فلم تعد ذلك الوحش الكاسر المسيطر، بل أصبحت كالقطة الوديعة فأصبحت تسمع لى وتنصحنى وأحياناً تهددنى بأنها ستخبر البنتين بهذه العلاقة، لكنى رغم ذلك تماديت فى علاقتى وإصرارى على الزواج من السيدة التى وقعت فى غرامها.

    ووصلت بى الجرأة لدرجة أننى عندما كنت أتشاجر معها أذهب لزوجتى أسألها كيف أصالحها ومن أين أشترى لها الملابس و"الميك أب"، كنت أفعل ذلك لكى أرى الذل فى عينيها.. كنت فى انتظار أن أسمع منها طلب الطلاق وكنت مستعداً لهذه اللحظة تماماً، لكنها لم تقبل عليها، خصوصاً بعد أن وجدت أن تهديدها لى ببنتىَّ لا يؤثر فى أو ربما فقد تأثيره، فالبنتان كبرتا وأصبح عندى شعور قوى بأنهما تشفقان علىَّ من الأسلوب الذى كانت تتعامل أمهما به معى.

    أعلم أن السيدة التى وقعت فى غرامها أقل جمالاً وأصلاً وحسباً من زوجتى، أعلم أن ماضيها المشين قد يطاردنى أحياناً، لكنى ظللت أعتقد أنها الأقدر على إسعادى، لكن ما إن صارحتها برغبتى فى الزواج منها إلا وطلبت منى أن أطلق زوجتى، وكان منطقها لماذا تبقى معها وهى ستكون مصدراً من مصادر المتاعب لنا؟!

    وبالفعل اقتنعت بوجهة نظرها واتفقت مع زوجتى على الطلاق وبكت لكنى شعرت أن بكاءها جاء متأخراً جداً، لقد تحملتُ كثيراً واسترضيتها بكل ما أستطيع، لكنها لم ترض.

    بدأت فى التجهيز لزيجتى الجديدة بعد أن طلقت زوجتى، لكن لم يشأ الله أن تتم هذه الزيجة فقد حدثت مشاكل كثيرة مع أهلها الذين انهالوا علىَّ بمطالبهم، وكأنهم يُتمُّون صفقة من تلك التى اعتادتها فى ماضيها، ونسوا هم أيضاً أنى لن أقبل من اليوم إلا ما أريد، وبالفعل لم يتم زواجنا، لكنى لم أشعر أيضاً بأى ندم على طلاق زوجتى.

    وحاول كثيرون من الأصدقاء والأهل أن يصلحوا بينى وبين طليقتى ومع إلحاحهم لنا يقرب من شهرين، بدأت فى التفكير فى الرجوع إليها، لكن فى يوم حدث عطل فى سيارتى، فقمت بإصلاحها ثم ذهبت بنفسى لتنظيفها من الداخل جيداً. فإذا بى أكتشف وجود جهاز تنصت داخل السيارة، يسجل كل مكالماتى وأحاديثى مع كل من يركب معى، تعجبت لوجود هذا الجهاز بسيارتى، وظللت أبحث عن تفسير لوجوده حتى اكتشفت أننى كنت قد تركت مفتاح السيارة الاحتياطى بالبيت عندما رحلت بعد الطلاق، وأن صديقة طليقتى الشيطانة ساعدتها فى وضعه فى سيارتى وسماع كل ما أقول وما أفعل!!

    كانت صدمة كبيرة لى، وبعد أن كنت أفكر فى الرجوع إليها تراجعت غير آسف فأنا أرفض هذا الأسلوب المتدنى فى المراقبة والتنصت على حياتى الشخصية وهى ليست على ذمتى أو حتى لو كانت مازالت زوجتى، أرفض هذا الأسلوب الذى يدل على أنها لم تتغير ولن تتغير، وأيضاً فقد كنت دائم الشكوى منها فى كل مكالماتى مع كل معارفى ومؤكد أنها قد سمعت ذلك بأذنيها فكيف ستنسى كل ما سمعته ونعيش معاً بقلوب صافية؟

    والآن أعيش بمفردى، فأنا لم أتزوج .. وقررت أن أقضى ما تبقى من حياتى كما يحلو لى .. لكنى عندما أسترجع حياتنا بين الحين والآخر لا أرمى باللوم عليها وحدها، بل ربما ألوم نفسى أكثر، فأنا من أعطاها السلاح الذى دمرت به حياتنا، برضوخى منذ البداية لكل تصرفاتها، وضعفى أمامها، ربما أكون قد فعلت ذلك رغبة فى الحفاظ على حياتنا، وربما كنت رجلاً ضعيفاً بالفعل أمام أنوثتها التى أجادت توظيفها، يستوى الأمران فقد طال صمتى إلى أن انتهت بِنَا الحياة إلى ما انتهت إليه.

    وبعد أن طال الصمت فى حياتى.. أجدنى اليوم لا أتوقف عن الكلام!!

    لمتابعة صفحة الكاتبة فريدة دياب على موقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" "Farida Diab - فضفضة مع فريدة دياب"..

    فضفضة فريدة دياب
    للأعلى